الشيخ السبحاني

480

بحوث في الملل والنحل

فصل [ في أنّ اللَّه تعالى لا يشبه الأشياء ] فإن قيل : أربّك مشبه الأشياء ؟ فقل : ربّي لا يشبه الأشياء ؛ لأنّ الأشياء سواه : جوهرٌ ، وعرَضٌ ، وجسم . ولا يجوز أن يكون جوهراً ، ولا عرضاً ؛ لأنّهما غير حيّين ولا قادرين ، وهو تعالى حيّ قادر ، ولأنّهما محدَثان وهو قديم ولا يجوز أن يكون جسماً ، لأنّا قد بيّنا أنّه خالق الأجسام ، والشيء لا يخلق مثله ، ولأنّ الجسم مؤلّف مصنوع ، يفترق ويجتمع ، ويسكن ويتحرّك ، ويكون في الجهات ، وتسبقه الأوقات ، وكل ذلك شواهد الحدوث ، وقد ثبت أنّه تعالى قديم ، فلا يجوز أن يكون محدَثاً بل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . وإذا لم يكن جوهراً ولا جسماً ولا عرضاً لم يوصف بالكيف ، ولا الأين ، ولا الحيث ، ولا البين ، ولا الوجه ، ولا الجنب ، ولا اليدين ، لم يقطعه بعد ، ولم يسبقه قبل ، ولم يجزّئه بعضٌ ، ولا جمعه كلٌّ ، ليس في الأرض ولا في السماء ، ولا حلّ في متحيّز أصلًا ، ولا حدّه فوقٌ ولا تحت ، ولا يمين ، ولا شمال ، ولا خلفٌ ، ولا أمام ، ولا يجوز عليه المجيء ولا الذهاب ، ولا الهبوط ولا الصعود . كان قبل خلق العالم ولامكان ، ويكون بعد فناء العالم ولامكان ، وهو خالق المكان مستغن عن المكان ، وخالق الزمان فلم يتقدمه زمان ، ليس بنور ولا ظلام ، لأنّ جميع ما ذكر فان في القدم . ولأجل ذلك نقول : إنّه لا يجوز أن يقال : هو طويل ، ولا قصير ، ولا عريض ولا عميق ، ولا شويه ولا مليح ، ولا أن يقال : هو يسترّ أو يغتمّ ، أو يظنّ أو يهتمّ ، أو يعزمُ ، أو يؤلّم ، أو يلتذّ أو يشتهي ، أو ينفرُ ، لأنّ ذلك كلّه شواهد الوجود بعد العدم ، ومنافٍ لما هو عليه من صفات الكمال والعظمة والجلال .